الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
147
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [ التوبة : 67 ] إلخ فضمير الخطاب لهم جار على مقتضى الظاهر بدون التفات والكلام مسوق لتشبيه حالهم في مصيرهم إلى النار . والإتيان بالموصول لأنّه أشمل وأجمع للأمم التي تقدّمت مثل عاد وثمود ممّن ضرب العرب بهم المثل في القوة . و أَشَدَّ معناه أقوى ، والقوة هنا القدرة على الأعمال الصعبة كقوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [ فصلت : 15 ] أو يراد بها العزّة وعدّة الغلب باستكمال العدد والعدد ، وبهذا المعنى أوقعت القوة تمييز ال أَشَدَّ كما أوقعت مضافا إليه شديد في قوله تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [ النجم : 5 ] . وكثرة الأموال لها أسباب كثيرة : منها طيب الأرض للزرع والغرس ورعي الأنعام والنحل ، ومنها وفرة التجارة بحسن موقع الموطن بين مواطن الأمم ، ومنها الاقتراب من البحار للسفر إلى الأقطار وصيد البحر ، ومنها اشتمال الأرض على المعادن من الذهب والفضّة والحديد والمواد الصناعية والغذائية من النبات ، كأشجار التوابل ولحاء الدبغ والصبغ والأدوية والزراريع والزيوت . وكثرة الأولاد تأتي من الأمن بسبب بقاء الأنفس ، ومن الخصب المؤثر قوة الأبدان والسلامة من المجاعات المعقبة للموتان ، ومن حسن المناخ بالسلامة من الأوبئة المهلكة ، ومن الثروة بكثرة الأزواج والسراري والمراضع . والاستمتاع : التمتّع ، وهو نوال أحد المتاع الذي به التذاذ الإنسان وملائمه وتقدّم عند قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ في سورة الأعراف [ 24 ] . والسين والتاء فيه للمبالغة في قوة التمتّع . والخلاق : الحظ من الخير وقد تقدّم عند قوله تعالى : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ في سورة البقرة [ 200 ] . وتفرّع فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ على كانُوا أَشَدَّ : لأنّ المقصود إدخاله في الحالة المشبه بها كما سيأتي . وتفرّع فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ على ما أفاده حرف الكاف بقوله : كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من معنى التشبيه ، ولذلك لم تعطف جملة فَاسْتَمْتَعْتُمْ بواو العطف ، فإنّ هذه